أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

286

شرح مقامات الحريري

بأخبار ونوادر منوّعة ، وكان نهاية في الحذق لا يستطيع من سمعه ألّا يضحك قال : وقفت يوما على باب الخاصّة أضحك النّاس وأتنادر ، فحضر خلفي بعض خدّام المعتضد ، فأخذت في نوادر الخدم ، فأعجب بذلك وانصرف ، ثم عاد فأخذ بيدي وقال : دخلت فوقفت بين يدي سيّدي فتذكرت حكايتك فضحكت ، فأنكر عليّ ، وقال : ما لك ويلك ! فقلت : على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يتكلّم بحكايات ونوادر تضحك الثّكول ، فأمر بإحضارك ولي نصف جائزتك ، فطمعت في الجائزة ، وقلت : يا سيّدي أنا ضعيف وعليّ عيلة ، فلو أخذت سدسها أو ربعها ! فأبى وأدخلني فسلّمت فردّ السّلام ، وهو ينظر في كتاب ، فنظر في أكثره ، وأنا واقف ، ثم أطبقه ورفع رأسه إليّ ، وقال : أنت ابن المغازلي ؟ قلت : نعم يا مولاي ، قال : بلغني أنّك تحكي وتضحك بنوادر عجيبة ، فقلت : يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة ، أجمع النّاس حكايات أتقرّب بها إلى قلوبهم فألتمس برّهم ، فقال : هات ما عندك ، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم ، وإن أنا لم أضحك فما لي عليك ؟ فقلت للحين : ما معي إلّا قفاي ، فاسأل ما أحببت ، قال : أنصفت إن لم تضحكني أصفعك بذلك الجراب عشر صفعات ، فقلت في نفسي : ملك لا يصفع إلا بشيء ليّن خفيف ، والتفتّ فإذا بجراب من أدم معلّق في زاوية البيت ، فقلت : ما أخطأ ظنّي ، عسى فيه ربح إن أضحكته ربحت ، وأخذت الجائزة ، وإلّا فعشر صفعات بجراب منفوخ شيء هيّن ، ثم أخذت في النّوادر والحكايات والنّعاشة والعبارة ، فلم أدع حكاية أعرابيّ ، ولا نحويّ ، ولا مخنّث ، ولا قاض ، ولا نبطيّ ، ولا سنديّ ، ولا زنجيّ ولا خادم ، ولا تركيّ ، ولا شاطر ، ولا عيّار ، ولا نادرة ، ولا حكاية إلا وأحضرتها حتى نفد كلّ ما عندي ، وتصدّع رأسي ، وفترت وبردت ، ولم يبق ورائي خادم ، ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك ، وهو مقطّب لا يتبسم ، فقلت : قد نفد ما عندي ، وو اللّه ما رأيت مثلك قطّ ، فقال لي : هيه ، ما عندك ؟ فقلت : ما بقي لي سوى نادرة واحدة ، قال : هاتها ، قلت : وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى . فأراد أن يضحك ثم تماسك ، قال : نفعل يا غلام خذ بيده ثم مددت قفاي فصفعت بالجراب صفعة ، فكأنّما سقطت على قفاي قطعة من جبل ، وإذا هو مملوء حصا مدوّرا فصفعت عشرا ، فكادت أن تنفصل رقبتي ، وطنّت أذناي وانقدح الشّعاع من عيني ، فصحت يا سيّدي ، نصيحة ، فرفع الصّفع بعد أن عزم على العشرين ، فقال : قل نصيحتك ، فقلت : يا سيّدي إنّه ليس في الديانة أحسن من الأمانة ، وأقبح من الخيانة ، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة على قلّها وكثرها ، وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها وقد استوفيت نصفي ، وبقي نصفه . فضحك حتى استلقى ، واستفزّه ما كان سمع ، فتحامل له ، فما زال يضرب بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراقّ بطنه ، حتى إذا سكن قال : عليّ به ، فأتي به ، وأمر بصفعه ، وكان طويلا ، فقال : وأيش جنايتي ؟ فقلت له : هذه جائزتي وأنت شريكي فيها ، وقد استوفيت